واذا مرضت فهو يشفين

و إذا مرضت فهو يشفين

يختبر الله الإنسان وقدرة احتماله بأن يبتليه بجسده، فيصابُ بمرضٍ ما، يثقل كاهله وروحه، فإن صبر نال رضا الله، وفاز بجنّته، وإن شكى وتذمّر كان خاسراً وحزيناً، فعليه أن يتحلّى بالصّبر والتجلّد، ومحاولة الاقتداء بالسّلف الصّالح، كما صبر سيّدنا أيّوب على ما ابتلاه الله به من سقمٍ وفناء ولدٍ.

قال تعالى:” الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ “، سورة الشّعراء/78-80. أي أنّ الإنسان إذا مرض فهو السّبب في حدوث المرض، وأنّ الله يشفيه بقدرته وكرمه، فقبل الدّاء وجِدَ الدّواء، ولكلّ علةٍ أوجد الله شفاءً، علمه المريض أم لم يعلمه. وهذا من لطف الله، وكرمه، وحبّه لابن آدم، الذي كرّمه الله في الأرض، وهيّأ له سُبل البحث والرّشاد، فكان على يقين بوجود الشّفاء، وعلى المريض أن يكون متفائلاً، راضياً بما ابتلاه الله به، مقتنعاً بقضاء الله وقدره، فترضى نفسه، ولا يشقى في هذه الدّنيا. ولكنّ كثيراً من النّاس من يسخط على ما أصابه، فيخسر الفوز بجنّة الله ونعيمها الخالد، باحثاً عن دنياً فانيةٍ. وإنّ المتأمل في مرضه ليجده نعمةً خالصةً، فما من شوكة يُشاكها المؤمن إلّا غفر الله له بها ذنباً من ذنوبه، ونقّاه من خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر.

تفسير ابن كثير

قوله:” وإذا مرضت فهو يشفين ” أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله، وقضائه، وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدباً، كما قال تعالى آمراً المصلّي أن يقول:” اهدنا الصّراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين “، الفاتحة/ 6-7 . فأسند الإنعام إلى الله سبحانه وتعالى، والغضب حذف فاعله أدباً، وأسند الضّلال إلى العبيد، كما قالت الجنّ:” وأنّا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً “، الجنّ/10 ، ولهذا قال:” وإذا مرضت فهو يشفين “، أي: إذا وقعت في مرضٍ فإنّه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر عليه من الأسباب الموصلة إليه.

تفسير القرطبيّ

والذي يميتني ثمّ يحيين ” أي يريد البعث، وكانوا ينسبون الموت إلى الأسباب، فبيّن أنّ الله هو الذي يميت ويحيي. وكلّه بغير ياء: يهدين، يشفين، لأنّ الحذف في رؤوس الآيات حسنٍ لتتّفق كلّها. فإن قيل: فهذه صفة لجميع الخلق، فكيف جعلها إبراهيم دليلاً على هدايته ولم يهتد بها غيره؟ قيل: إنّما ذكرها احتجاجاً على وجوب الطّاعة، لأنّ من أنعم وجب أن يطاع ولا يعصى، ليلتزم غيره من الطّاعة ما قد التزمها، وهذا إلزام صحيح. ولهم في قوله:” وإذا مرضت فهو يشفين ” وجهان، أحدهما: إذا مرضت بمخالفته شفاني برحمته، والثّاني: إذا مرضت بمقاساة الخلق، شفاني بمشاهدة الحقّ.

تفسير الدّكتور محمد راتب النّابلسي

قوله تعالى:” الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ “، فلم يقل: وإذا أمرضني، وإِذَا مَرضتُ، فالقرآن الكريم يشير إلى أنّ أصل المرض من صنع الإنسان. واستنبط علماء التّفسير أنّ أصل المرض بسببٍ آو بآخر يعود إلى الإنسان، لأنّه خالف منهج الله تعالى، في الأمور التي تتعلَّق بصحته، وأنّ الله عزّ وجلّ شاءت حكمته أن يجعل لكل شيءٍ سبباً، وأنّ هذا الكون مبنيّ على نظام السّببية، وأنّه مِن لوازم عبوديَّتك لله عز وجل أن تتأدَّب مع قوانينه التي تحكم جسمك.

المرض

المرض شفاءٌ للرّوح، يجعلها متبصّرةً في الذّات، حتّى تتجلّى حكمة الخالق أمام بصرها، فتحمد الله وتشكره. وعلى المريض أن يأخذ في الأسباب فلا يستسلم ولا يتشائم، بل يبحث عن الدّواء والعلاج المناسب لحالته المرضيّة، ويسأل الله الشّفاء. وإنّ الألم ما وُجد إلّا ليقرّب العبد من ربّه، فيدعوه ليلاً ونهاراً، ويتزوّد بالطّاعات، فتثقل كفّة حسناته، لصبره على ما أصيب به، ولجوئِه لربّ العالمين، فإن أراد الله له الشّفاء شفاه، وإن أراد له الفوز بالآخرة، جعله يتسلّح بالصبر إلى أن يلقاه، فيفوز فوزاً عظيماً. ويجب أن يكون المسلم على يقين تامّ في قلبه بلا أيّ شكّ أنّ الله قادر على شفائِه. وفي المرض عبرة لمن يعتبر، وذلك ليحسن المرء علاقاته الدّنيوية لأجل الآخرة، ويعمل اليوم كأنّه آخر يوم من عمره. وعلى المسلم أن يثق بربّه، ويحسن الظّن به، لينال تكريماً وتشريفاً، وعليه أن يكون عالماً بأنّه ” لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون “.

أدعية للشّفاء منه

  • عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- كان إذا أتى مريضاً أو أتي به قال:” أذهب البأس ربّ النّاس، اشفِ وأنت الشّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سقماً “.
  • عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أتاني جبريل فقال:” يا محمّد أتشتكي؟ فقلت: نعم. قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شرّ كل نفسٍ، وعين حاسدٍ، بسم الله أرقيك، والله يشفيك “، رواه مسلم والترمذيّ .
  • عن أنس رضي الله عنّه أنّه قال لثابت رحمه الله‏:”‏ ألا أرقيك برقية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟‏، قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ اللّهم ربّ النّاس، مذهب البأس، اشف أنت الشّافي، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقماً “، ‏ رواه البخاري‏ّ ‏.‏
  • عن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص رضي الله عنّه أنّه شكى إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وجعاً يجده في جسده، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:” ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل‏:‏ بسم الله -ثلاثاً- وقل سبع مرات‏ أعوذ بعزّة الله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر “، رواه مسلم .‏
  • عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤوسِهِمْ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَقَالُوا:” يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى فَقَالَ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ “، رواه الترمذي، أبو داود، ابن ماجه .
1 مشاهدة