كيف أحب الله

حُبّ الله تعالى

المحبّة مشاعر قلبيّة، تظهرُ آثارها في السلوك تأكيداً لها وإشعاراً بصدقها، ولا شكّ أنّ محبّة العبد لربّه -جلّ وعلا- هي أعلى درجات الحُبّ، ففي رحابها تسابق المؤمنون، وفي تحصيل أسبابها تنافس المتنافسون، ومن غمَر قلبه بمحبّة الله -سبحانه وتعالى- ذاق حلاوة القُرب منه، وأغدق عليه الله -سبحانه وتعالى- بركاتٍ من اللُّطف والكَرَم، وحُبّ الله -تعالى- أمرٌ لازمٌ، وضرورةٌ مُحتّمةٌ؛ لأنّ العبد لا غِنى له عن محبّة الله تعالى، فبها تُسعَدُ حياة العبد، وتطيبُ أوقاته بالعمل الصالح والقُرُبات، فيُسعَد في الدنيا والآخرة.

ومحبّة العبد لله -سبحانه وتعالى- من صِفات الأنبياء والأتقياء الصّالحين، وقد امتدح المولى -عزّ وجلّ- الذين يُظهِرون محبّتهم له بالعمل الصّالح والقرُبات والطاعات، وربط بينها وبين طاعة الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وبيّن صِفات المُحِبّين له وجميل صنيعهم، وكشف عن حُسْنَ مآلهم وعاقبتهم، فكيف السّبيل إلى تحصيل محبّة العبد لله تعالى، وما هي صِفات المُحِبّين، وما العلاقة بين محبّة الله والإيمان والعمل الصّالح؟

كيفيّة محبّة الله تعالى

إنّ تحصيل محبّة الله في قلب العبد لها أسباب يستطيع من خلالها غمر القلب بمحبّة الله سبحانه، ومن ذلك ما يأتي:[١]

  • استحضار العبد نِعَمَ الله -سبحانه وتعالى- عليه، وإدامة ذِكرِها وأثرها في حياته؛ إذ إنّ القلوب مجبولة على محبّة من أحسن إليها وتنعّم عليها، قال تعالى: (وَإِن تَعُدّوا نِعمَتَ اللهِ لا تُحصوها).[٢]
  • معرفة العبد أسماء الله وصفاته، وذلك خير مُعين للعبد على تحصيل المحبّة، فمن عرف الله -سبحانه- امتلأ قلبه حبّاً له، وانشغلت جوارحه بطاعته، ومن كان هذا حاله أكرمه الله بحُبّه له، وأدخله فسيح جنّاته، وممّا يُعينه على ذلك كثرة تلاوة آيات القرآن الكريم.
  • التّفكُّر في بديع خَلق الله -سبحانه وتعالى- وإتقانه في ملكوت السماوات والأرض، والتدبّر في آلائه، واستنباط الحِكَم من هذه المخلوقات، كلّ تلك الأمور تُعين على تعلّق قلب العبد بالله سبحانه وتعالى، وتقوّي صِلة العبد بربّه، وحصول لذّة العبادة والقُربى.
  • تمرين النفس على مخالفة الهوى، وعصيان مزاج النّفس الأمّارة بالسوء، فإنّ ذلك سبب في توطين محبّة الله في القلب.
  • تعويد اللسان على كثرة ذكر الله تعالى، فدوام ذكر الله -سبحانه وتعالى- من أعظم ما تُستَجلب به محبّة الله، وهي علامة دالّة على حبّ العبد لربّه، فمن أحبّ شيئاً استدام ذكرُه على لسانه.
  • استذكار العبد ما أعدّه الله -تعالى- لعباده الصالحين المُحبّين من نعيم مُقيم، وتفضُّله عليهم برؤية وجهه، إضافة إلى ذلك فإنّ تمكُّن القلب من محبّة الله -سبحانه وتعالى- موصِل إلى مرتبة الإحسان، فعندها تصبح كلّ حركات العبد وسكناته في مرضاة مولاه، ولا يقبل بأحد غير الله -تعالى- بأن يسكن شِغاف قلبه.[٣]

أصناف المُحبّين

قد قسّم الإمام ابن قيم الجوزيّة المُحِبّين إلى أصناف عدّة، بيانها على النحو الآتي:[٤]

  • الصِّنف الأول: محبّة الله تعالى، وهي لا تكفي وحدها في النّجاة من عذابه أو الفوز بثوابه، فإنّ المشركين وعُبّاد الصّليب واليهود وغيرهم يحبّون الله تعالى.
  • الصِّنف الثاني: محبّة ما يحبّ الله، وهذه هي التي تُدخِل المرء في الإِسلام، وتُخرِجه من الكُفر، وأحبُّ الناس إلى الله أقوَمُهم بهذه المحبّة وأشدُّهم فيها.
  • الصِّنف الثالث: الحُبّ لله وفي الله.
  • الصِّنف الرابع: المحبّة مع الله، وهي المحبّة الشِّركيّة، وكلّ من أحبّ شيئاً مع الله لا له ولا من أجله ولا فيه، فقد اتّخذه نِدّاً من دون الله، وهذه محبّة المشركين.
  • الصِّنف الخامس: هي المحبّة الطبيعيّة، وهي محبّة الإنسان ما يُلائم طبيعة تكوينه، وهو الميل الفطريّ، كميل العطشان إلى الماء، وميل النعسان إلى النّوم، ومحبّة المرء لولده وزوجه، وهذا النوع من المحبة لا يُذَمّ ما دام لم يؤثّر على ذِكر الله تعالى، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).[٥]

لوازم محبّة الله تعالى

هناك أساسيّات في طريق محبّة العبد لربّه -سبحانه وتعالى- يجدرُ بالمرء إدراكها وتحصيلها، وبيانها على النحو الآتي:[١]

  • محبّة العبد لله -سبحانه وتعالى- من لوازم الإيمان وواجباته، وتنبثق عنها محبّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
  • محبّة ما يُحبّه الله -تعالى والرسول -صلّى الله عليه وسلّم- من الأوامر الشرعيّة الواجبة والمستحَبّة، وبغض ما يبغُضُه الله -تعالى- ورسوله صلّى الله عليه وسلّم- من المعاصي والآثام والمكروهات، وهذا جزء من محبّة العبد لله سبحانه وتعالى.
  • إنّ من مقتضيات حبّ الله -تعالى- أن يكون الحبّ في الله، والبغض في الله، قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ).[٦]
  • إدراك أنّ محبّة الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- تابعة لمحبّة الله -عزّ وجلّ- ولازمة لها، ومن أهمّ دلالاتها اتّباعه وطاعته في أوامره، ومن ادّعى محبّة الله -تعالى- ورسوله -صلّى الله عليه وسلّم- دون متابعة لهما فقد كذب في ادّعائه.
  • إنّ محبّة الله -تعالى- تقتضي الرّضا عن تشريعات الدّين وأحكامه، وتلقّي ذلك بملء الرّضا والتسليم، قال الله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).[٧]

المراجع

  1. ^ أ ب عبد الله آل جار الله، “محبّة الله – أسبابها – علاماتها – نتائجها”، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 27-12-2017م. بتصرّف.
  2. سورة إبراهيم، آية: 34.
  3. عبد الستار المرسومي (30-11-2014م)، “حب المخلوق للخالق جل جلاله”، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 27-12-2017م. بتصرّف.
  4. ابن قيم الجوزية (1997م)، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الطبعة الأولى)، المغرب: دار المعرفة، صفحة: 190. بتصرّف.
  5. سورة المنافقون، آية: 9.
  6. سورة التوبة، آية: 24.
  7. سورة النساء، آية: 65.
4 مشاهدة